الشيخ محمد علي طه الدرة
112
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه * كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته * ويلوي بأثواب العنيف المثقّل عَنْها عن الجنّة . فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي : من نعيم الجنة ، وسرورها ، ولم يقصد إبليس لعنه اللّه إخراجه من الجنة فقط ، وإنما أراد إسقاطه من مرتبته ، وإبعاده من رحمة اللّه تعالى ، كما أبعد هو ، وطرد ، فلم يدرك طرده ، بل ازداد سخنة عين ، وغيظ نفس ، وخيبة ظنّ ، قال اللّه تعالى في سورة ( طه ) رقم [ 122 ] : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى فصار عليه السّلام خليفة اللّه في أرضه بعد أن كان جارا له في داره ، وكم بين الخليفة والجار من فرق ! ونسب الإخراج إلى إبليس ؛ لأنه كان بسببه وإغوائه . واختلف في كيفية دخول إبليس الجنّة ، ووسوسته لآدم وحواء ، فقال ابن مسعود ، وابن عباس - رضي اللّه عنهم - وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 21 ] : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ وكان قد رآهما على باب الجنّة ؛ لأنّهما كانا يخرجان منها ، وكان إبليس بقرب الباب ، فوسوس لهما . والمقاسمة : ظاهر المشافهة ، وقال بعضهم ، وذكر عبد الرزاق عن وهب بن منبه : إنه دخل الجنة في فم الحيّة ، وذلك أنّ إبليس لعنه اللّه تعالى . أراد أن يدخل الجنّة ، فمنعه الخزنة ، فأتى الحيّة وكانت صديقة لإبليس ، وكانت من أحسن الدوابّ ، لها أربع قوائم كقوائم البعير ، فسألها أن تدخله في فمها ، فأدخلته ، ومرّت به على الخزنة ، وهم لا يعلمون ، وكان ذلك لأنه طرد من الجنّة حينما عصى اللّه ، وأبى أن يسجد لآدم ، فقال اللّه له : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً الآية رقم [ 18 ] من سورة ( الأعراف ) . فلما دخل ؛ أخذ يوسوس لهما وذلك : أنّ آدم لمّا دخل الجنة ، ورأى ما فيها من النعيم ؛ قال : لو أن خلدا ! ، فاغتنم إبليس ذلك منه ، وأتاه من قبل الخلد ، وقال لهما : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ رقم [ 20 ] من سورة ( الأعراف ) . وقيل : لما دخل الجنّة ، وقف على آدم ، وحواء ، وهما لا يعلمان : أنّه إبليس ، فبكى ، وناح نياحة أحزنهما ، وهو أوّل نائح ، فقالا : ما يبكيك ؟ قال : أبكي عليكما ؛ لأنكما تموتان ، فتفارقان ما أنتما فيه من النّعمة ، فوقع ذلك في أنفسهما ، واغتمّا ، ومضى إبليس ، ثمّ أتاهما بعد ذلك . وقال : يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى سورة ( طه ) رقم [ 120 ] ، فأبى أن يقبل منه ، ف وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فاغترّا ، وما ظنّا : أنّ أحدا يحلف باللّه كذبا ، فبادرت حواء إلى الشّجرة ، فأكلت منها ، ثم ناولت آدم ، فأكل منها ، قال إبراهيم بن أدهم - رحمه اللّه تعالى - : « أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا » . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « قال اللّه تعالى : يا آدم ! ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشّجرة ؟ قال : بلى وعزّتك ! ولكن ما ظننت أنّ أحدا يحلف بك كذبا ، قال : فبعزتي